عبد الكريم الخطيب
100
التفسير القرآنى للقرآن
التفسير : فيما عرض اللّه سبحانه وتعالى من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل ، ما قد يدخل منه على الشعور بأن القوم أهل لهذه النعم ، وأن اللّه قد اصطفاهم دون عباده ، إذ ساق إليهم تلك النعم وغمرهم بها ، ولكن الأمر على خلاف هذا ، فإنه ما ذكر القرآن نعمة أنعمها اللّه على بني إسرائيل إلّا جاء بعدها التنديد بهم والوعيد لهم ، واللعنة عليهم ، بسبب مكرهم بآيات اللّه ، وكفرهم بنعمه ، وما زالت نعم اللّه تتوالى عليهم ، وما زالت نقمه تنصبّ عليهم ، حتى خرجوا من عالم الإنسان إلى عالم القردة والخنازير . . وهكذا ، على قدر النعم يكون الابتلاء ، فمن حفظها حفظه اللّه ، ومن ضيعها ضيعه اللّه ! ! وفي أعقاب قصة البقرة ذكر اللّه ما في قلوبهم من قسوة دونها قسوة الحجارة وبلادتها ، وإنها لقسوة وبلادة أصبحت جبلّة وطبيعة فيهم ، بحيث تنقلت في أجيالهم إلى أن التقت بعض ذراريهم بالدعوة الإسلامية ، وبصاحب الدعوة ، النبىّ الأمىّ ، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . . وإذا هؤلاء الأبناء ليسوا خيرا من آبائهم ، وإنه لا مطمع في استجابتهم للدعوة الإسلامية ، ولا رجاء في انتفاعهم بها . . إنهم يمكرون بآيات اللّه كما مكر آباؤهم بها . . يسمعون كلام اللّه ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ، أي إنهم يحرفون عن عمد ويضلون على علم ، وتلك هي قاصمة الظهر ، فلو أنهم حرّفوا عن سهو أو أخطئوا عن جهل ، لكان لهم وجه من العذر ، ولكنهم عن عمد حرفوا ، وعلى علم ضلّوا وأضلوا . . ثم إن لهم مكرا آخر مع الدعوة الإسلامية ، عدا التحريف فيها ،